العيني

116

عمدة القاري

الساكنة بعد التاء المثناة من فوق المفتوحة ، من : الاستبراء ، وهو طلب البراءة . وفي رواية مسلم وأبي داود في حديث الأعمش : ( لا يستنزه ) ، بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وزاي مكسورة بعدها هاء ، من : النزه . وهو الإبعاد . وروي : ( لا يستنثر ) ، بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وثاء مثلثة مكسورة ، من : الاستنثار ، وهو طلب النثر ، يعني : نثر البول عن المحل . وروي : ( لا ينتتر ) ، بتائين مثناتين من فوق بعد النون الساكنة ، من : النتر ، وهو جذب فيه قوة وحفوة ، وفي الحديث : ( إذا بال أحدكم فينتتر ) . قوله : ( بالنميمة ) : هي نقل كلام الناس . وقال النووي : هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار ، وهو من أقبح القبائح . وقال الكرماني : هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء ، لأنهم يقولون : الكبيرة هي الموجبة للحد ، ولا حد على الماشي بالنميمة إلاَّ أن يقال : الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة ، لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو لا يريد بالكسرة الكبيرة معناها الاصطلاحي . وقال بعضهم : وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم ، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين : أحدهما : هذا ، والثاني : ما فيه وعيد شديد . قال : وهم إلى الأول أميل ، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر . قلت : لا وجه لتعقيبه على الكرماني لأنه لم يميز قول الجميع عن قول البعض حتى يعترض على قوله على قاعدة الفقهاء ، على أن الذنب المستمر عليه صاحبه ، وإن كان صغيرة ، فهو كبيرة في الحكم ، وفيه وعيد . لقوله : ( لا صغيرة مع الإصرار ) . قوله ( ثم دعا بجريدة ) ، وفي رواية الأعمش : ( بعسيب رطب ) ، وهو بفتح العين وكسر السين المهملة على وزن فعيل نحو كريم : وهي الجريدة التي لم ينبت فيها خوص ، وإن نبت فهي : السعفة ، وعلم من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق . قوله : ( فوضع ) ، وفي رواية الأعمش ، وهي تأتي : ( فغرز ) ، فالغرز يستلزم الوضع بدون العكس . قوله : ( فقيل له ) ، وفي رواية : ( قالوا ) ، أي : الصحابة ، ولم يعلم القائل من هو . قوله : ( ما لم ييبسا ) بفتح الباء الموحدة من : يبس ييبس ، من باب : علم يعلم ، وفيه لغة يبس ييبس بالكسر فيهما ، وهي شاذة ، وهكذا روي في كثير من الروايات ، وفي رواية الكشميهني : ( إلاَّ أن ييبسا ) بحرف الاستثناء ، وفي رواية المستملي : ( إلى أن ييبسا ) ، بكلمة : إلى ، التي للغاية . ويجوز فيه التأنيث والتذكير ، أماالتأنيث فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين ، وأما التذكير فباعتبار رجوعه إلى العودين ، لأن الكسرتين هما العودان ، والكسرتان بكسر الكافية ، تثنية كسرة ، وهي القطعة من الشيء المكسور ، وقد تبين من رواية الأعمش أنها كانت نصفاً ، وفي رواية جرير عنه باثنتين ، وقال النووي : الباء ، زائدة للتأكيد ، وهو منصوب على الحال . بيان الإعراب قوله : ( يعذبان ) جملة وقعت حالاً ( من إنسانين ) ، وكذا قوله : ( في قبورهما ) أي : حال كونهما يعذبان وهما في قبريهما . وإنما قال : ( في قبورهما ) ، مع أن لهما قبرين ، لأن في مثل هذا استعمال التثنية قليل ، والجمع أجود كما في قوله تعالى * ( فقد صغت قلوبكما ) * ( التحريم : 4 ) والأصل فيه أن المضاف إلى المثنى إذا كان جزءً ما أضيف إليه يجوز فيه التثنية والجمع ، ولكن الجمع أجود نحو : أكلت رأسي شاتين ، وإن كان غير جزئه ، فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو : سل الزيدان سيفيهما ، وإن أمن من اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع ، كما في قوله : ( في قبورهما ) ، وقد تجمع التثنية والجمع كما في قوله . ظهراهما مثل ظهور الترسين . قوله : ( لعله ان يخفف عنهما ) شبه : لعل بعسى ، فأتى بأن في خبره ، وقال المالكي الرواية : أن يخفف عنها على التوحيد ، والتأنيث وهو ضمير النفس ، فيجوز إعادة الضميرين في : لعله ، وعنها إلى الميت باعتبار كونه إنساناً ، وكونه نفساً ، ويجوز أن يكون الضمير في : لعله ، ضمير الشان ، وفي : عنها ، للنفس ، وجاز تفسير الشأن بأن وصلتها ، مع أنها في تقدير مصدر ، لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه ، ولذلك سدت مسد مفعولي : حسب وعسى ، في قوله تعالى * ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) * ( البقرة : 214 ، وآل عمران : 142 ) ويجوز في قول الأخفش أن تكون : أن ، زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء ، ومن كونهما جارتين ، ومن تفسير ضمير الشأن : بأن وصلتها ، قول عمر ، رضي الله تعالى عنه : فما هو إلاَّ أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلبني رجلاي . وقال الطيبي : لعل الظاهر أن يكون الضمير مبهماً يفسره ما بعده ، كما في قوله تعالى : * ( إن هي إلاَّ حياتنا الدنيا ) * ( الأنعام : 29 ) . وقال الزمخشري ، رحمه الله تعالى : هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلاَّ ما يتلوه من بيانه ، وأصله : أن لا حياة إلاَّ الحياة الدنيا ، ثم وضع : هي ، موضع : الحياة ، لأن الخبر يدل عليها ويبينها ، ومنه : هي النفس تتحمل ما حملت ، والرواية بتثنية الضمير في : عنهما ، لا يستدعي إلاَّ هذا التأويل . قوله : ( ما لم ييبسا ) كلمة : ما ، هنا مصدرية زمانية ، وأصله : مدة دوامها إلى زمن اليبس .